المقريزي

96

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

إذ ذاك عليه ، وربّما قبّل يوما رجله ليجد به سبيلا إلى نيل مقاصده عند الظاهر . فلما مات الظّاهر وآل أمر ابن غراب إلى ما ذكر أحبّ أن يستريح من فتح اللّه ، فما زال يفتل في الذروة والغارب حتى أصلح أمر يشبك والأمراء المختفين في القاهرة مع الناصر ، وأخرجهم من خباياهم ، وأعادهم النّاصر إلى أمرياتهم ، فاستعان حينئذ بيشبك وقبض على فتح اللّه ، وتقلّد كتابة السرّ ، وألزم فتح اللّه بمال بعد الحبس والعقوبة ؛ ولم يكفه ذلك حتى تحوّل إلى صوب إينال باي فإنه ثقلت عليه وطأته ووطأة الأمير بيبرس ابن أخت الظاهر وبقية الأمراء الذين ناصحوا الناصر وحاربوا معه يشبك وحزبه ، فأسرّ حسوا في ارتغاء حتى أوقع بين الأمراء فتنة آلت إلى تنكّرهم من الناصر ومخالفتهم عليه ، فوجد حينئذ السبيل إلى المقال ، فأوهمه وأخافه منهم القتل حتى خامر الخوف قلبه فجعل يحسّن له الفرار ، وواعده على المصير إليه ، وأعدّ له ثلاثة أفراس بظاهر القلعة مما يلي الجبل ، فترك الناصر ملكه وماله وخرج عند القائلة ليس معه سوى مملوك له يقال له بيغوت ، فركب الفرس التي أعدها له ابن غراب مع مملوكه بكتمر السّعدي ، وسار معه هو وبيغوت إلى نحو دير الطّين خارج بركة الحبش ، فنزلوا عن الخيول وتركوها سائبة إلى بعض المراكب التي في النّيل ، وأووا إلى جزيرة الصابوني التي تجاه رباط الآثار حتى أجنّهم الليل ، فصاروا في المركب إلى الخليج من ظاهر القاهرة ، وصعدوا من المركب إلى بيت شخص من معارف بكتمر مملوك ابن غراب ، فأقاموا عنده ، وبعثوا إلى ابن غراب فأعدّ من منزله مكانا للنّاصر ، وحمله إليه في الليلة الثانية ، وأقام له مدّة إقامته عنده بما يليق به . وأما أمر الدّولة فإنّه لما فرّ الناصر لم يوقف له على خبر ، ووقع الصّارخ في القلعة والبلد باختفاء السلطان ، فركب الأمراء وبقيّة العسكر وقد لبسوا أسلحتهم ، فلم يدروا مكان الناصر ؛ هذا وابن غراب معهم لا يطلعهم من خبر الناصر على شيء ، فأقيم عبد العزيز ابن الظاهر في السّلطنة عند أذان العشاء الآخرة ، وتلقّب بالملك المنصور ، وقام ابن